الرأي والتحليل

وهج الفكرة.. د . أنس الماحي يكتب: بيان رئاسي قوي يغيّر قواعد اللعبة

أصدرت الرئاسة المصرية بيانًا هامًا في ختام زيارة الفريق أول عبد الفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة الانتقالي إلى القاهرة ، جاء بأقوى لغة سياسية ودبلوماسية منذ عقود في سياق العلاقات المصرية-السودانية وأزمة الحرب الدائرة في السودان. ويُعد هذا البيان الذي حمل تحديدًا واضحًا للخطوط الحمراء، مؤشراً على بداية مرحلة جديدة في تعامل القاهرة مع الأخطار التي تهدد أمنها القومي من الجنوب، في سياق يرتبط بشكل مباشر بالوضع في السودان والمنطقة ككل.
الأزمة في السودان لم تعد مجرد نزاع داخلي كما يتصور البعض أو يحاول أن يصور الأمر كنزاع داخلى بل تُمثّل شرارة اشتعال محتملة للمنطقة بأكملها، بما في ذلك الدول المجاورة في العالم العربي. لقد واجه السودان منذ أبريل 2023 حربًا دامية بين الجيش الوطني وقوات الدعم السريع المتمردة التي تغذيها الامارات بالمال والسلاح أدّت إلى آلاف الضحايا وتشريد الملايين وخلقت فراغًا أمنيًا واستغلالًا من أطراف إقليمية ودولية تسعى إلى الاستفادة من حالة الضعف والفوضى.
إذا ما نجحت محاولات تقسيم السودان أو إضعافه، فإن آثار ذلك لن تبقى داخل حدوده بل ستمتد ألسنة اللهب بلا حواجز نحو دول الجوار وعلى رأسها مصر والسعودية، مما يهدد الاستقرار الإقليمي بأكمله وهو إدراك يشار إليه في البيان المصري بارتباط الأمن القومي المصري ارتباطًا وثيقًا بالأمن القومي السوداني منذ قديم الأزل.
جاء البيان المصري بصياغة صريحة وحازمة إذ أكد أن هناك خطوطًا حمراء لا يمكن تجاوزها من أهمها الحفاظ على وحدة وسلامة أراضي السودان وعدم السماح بانفصال أي جزء منها وحماية مؤسسات الدولة السودانية ومنع ضربها أو تفكيكهان ورفض الاعتراف بأي كيانات موازية أو محاولة تمرير مشروع تقسيم عبر فرض واقع جديد على الأرض.
التأكيد على حق مصر في اتخاذ كافة الإجراءات اللازمة، استنادًا إلى القانون الدولي واتفاقيات الدفاع المشترك بين البلدين، لضمان أمنها القومي وأمن السودان، وهو ما يحمل فى طياته بتهديد شديد اللهجة وأيضاً تحويل الملف السودانى من اطار المحاولات السياسية للتهدئة الى الجيش وهو ما حدث أيضاً مع أثيوبيا فى تهديد مباشر بان السياسة قد انتهت وان الملف الأن فى ايدى الجيش ليتصرف فيه طالما ظلت الطراف متشبثة بأطماعها.
وكأن مصر قد ضاق صدرها من تحمل ارهاصات سياسية ففتحت باب أخر غير سياسي على كل من تسولت نفسه بالأعتقاد بأنه سينال من حق السودان فى شعب واحد ووطن واحد ولا تقسيم وبين أثيوبيا واستغلالها للظروف بسد النهضة وأحتجاز شريان الحياة لمصر والسودان وتهديدها ايضا ببناء المزيد من السدود حينها لن تصل المياة لدول مصب النيل.
هذا الموقف لا يعكس فقط تنسيقًا سياسيًا بل تغييرًا استراتيجيًا واضحًا في كيفية تفاعل مصر مع تداعيات الأزمة السودانية، خصوصًا بعد أن ظهرت محاولات لإضعاف الدولة السودانية واستغلال الفراغ السياسي داخلها وهو ما اعتبرته القاهرة تهديدًا مباشرًا للأمن الإقليمي.
تاريخيًا مرّ السودان بتجربة انفصال جنوبه عام 2011، مما أعطى مثالًا واضحًا على المخاطر التي قد تنجم عن تفكك الدولة. واليوم، تسعى بعض الأطراف الدولية والإقليمية إلى إعادة تقسيم السودان تحت ذرائع مختلفة، وهو ما تواجهه مصر بالسعي الدبلوماسي المكثف مع شركائها الإقليميين، ومن بينهم السعودية، في إطار تعاون متعدد الأطراف لمنع أي مخطط يقوّض وحدة السودان.
على الرغم من الضغوط والتدخلات المتعددة يبدو أن الشعب السوداني وجيشه الوطني قد استيقظا لهذه المخططات، وواجهوا التحديات ببسالة وثبات، مما أدى إلى إحباط العديد من المحاولات الرامية إلى تمرير أجندات خارجية تهدف إلى تقسيم البلاد لصالح أطراف إقليمية أو دولية. وهو ما عبر عنه الموقف المصري بتأكيد حمايته للسيادة السودانية، وعدم قبول أي تصعيد قد يؤدي إلى تفتيت الدولة أو تقويض مؤسساتها.
إن البيان المصري يأتي في وقت حاسم، إذ أنه لا يكتفي بالدفاع عن وحدة السودان فحسب، بل يضع إطارًا واضحًا للدور العربي والدبلوماسي في مواجهة المخاطر المشتركة. وتشكل هذه الخطوط الحمراء بداية لمرحلة أكثر حزمًا ووضوحًا في سياسة القاهرة تجاه الأزمة السودانية، بالتوازي مع جهود دبلوماسية مع شركاء إقليميين للتنسيق على وقف دعم القوى التي تسعى لإشعال النزاع بما يحفظ استقرار المنطقة ككل.
باختصار، يمكن القول إن ما صدر امس عن الرئاسة المصرية في ختام زيارة الفريق البرهان ليس مجرد بيان سياسي عابر، بل رسالة استراتيجية قوية تشكّل علامة فارقة في التعاطي مع الأزمة السودانية وتهديداتها المتشابكة وتؤكد أن مصر لا تقف موقف المتفرّج في مواجهة مخاطر قد تمتد آثارها إلى قلبها القومي في الجنوب.

هشام احمد المصطفي(ابوهيام ) رئيس التحرير

من أبرز المنصات الإلكترونية المخصصة لنقل الأخبار وتقديم المحتوى الإعلامي المتنوع والشامل. تهدف هذه المنصة إلى توفير الأخبار الدقيقة والموثوقة للقراء في جميع أنحاء العالم العربي من خلال استخدام التكنولوجيا الحديثة والأساليب المبتكرة في عرض الأخبار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى